ابراهيم بن عمر البقاعي

84

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات ، وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال : يَدْعُونَ أي يطلبون طلبا هو بغاية المسرة فِيها بِكُلِّ لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان ، ولا غير ذلك من الشأن ، وقال : فاكِهَةٍ إيذانا بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة البينة وإنما هو للتفكه ومجرد التلذذ . ولما كان التوسع في التلذذ يخشى منه غوائل جمة قال : آمِنِينَ * أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف . ولما ذكر الأمان ، وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت ، قال : لا يَذُوقُونَ فِيهَا أي الجنة الْمَوْتَ أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ذلك . ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى الوجوه ، وكان الاستثناء معيار العموم ، وكان من المعلوم أن ما كان في الدنيا من ذوق الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده ، قال معللا معلقا على هذا المحال : إِلَّا الْمَوْتَةَ ولما كان المعنى مع إسناد الذوق إليهم لا يلبس لأن ما قبل نفخ الروح ليس مذوقا ، عبر بقوله : الْأُولى وقد أفهم التقييد بالظرف أن النار يذاق فيها الموت ، والوصف بالأولى أن المذوق موتة ثانية ، فكان كأنه قيل : لكن غير المتقين ممن كان عاصيا فيدخل النار فيذوق فيها موتة أخرى - كما جاء في الأحاديث « 1 » الصحيحة ، ويجوز أن يجعل وصف المتقين أعم من الراسخين وغيرهم ، فيكون الحكم على المجموع ، أي أن الكل لا يذوقون ، وبعضهم - وهم من أراد اللّه من العصاة - يذوقونه في غيرها وهو النار ، ويجوز أن تكون الموتة الأولى كانت في الجنة المجازية فلا يكون تعليقا بمحال ، وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا مجازا بما له من التسبب وبما سبق من حكم اللّه له بها ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ، قيل : وما خرفة الجنة ؟ قال : جناها » « 2 » « وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا » « 3 » وكذا المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده بما له من التمتع بالنظر ونحوه من الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في الأخبار الصحيحة ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي اللّه عنه أن عمه النضر رضي اللّه عنه

--> ( 1 ) يأتي بعد حديثين . ( 2 ) أخرجه مسلم 2568 وأحمد 5 / 277 وابن حبان 2957 وابن أبي شيبة 3 / 233 من حديث ثوبان . ( 3 ) أخرجه أحمد 12114 والترمذي 3510 عن أنس وفيه البناني ضعيف هو محمد بن ثابت . وأخرجه الترمذي 3509 عن أبي هريرة والمكي مجهول . وأخرجه الطبراني 20 / ( 326 ) عن معاذ بنحوه وفيه الربذي وهو ضعيف . وأخرج له شاهدا أبو يعلى 1865 و 2138 والبزار 3064 والحاكم 1 / 494 - 495 عن جابر ، وإسناده ضعيف ، فيه أيوب بن خالد ومولى غفرة ، وهما ضعيفان ، فالحديث حسن إن شاء اللّه تعالى بشواهده .